وقائع سنوات الجمر


انا والقلق من معدن واحد


كنت دائم الارق والتعب،على الوشك من شيء ما ومشتاق لشيء اجهله،هناك شيء ما معلق في الما بين،لا ابلغه،معتل الروح والجسد،نحيف وزائغ البصر ومعذب بالموسيقى وبصوت فيروز في الليل،مستجديا صوتها في سبيل النوم.

يا حلو شو بخاف اني ضيعك.نمرق على الجسر العتيق.
وتروح مني بهالطريق.لوين لاتقلي ولا تاخدني معك

هناك بدو يطوفون في رأسي.بجلاليبهم التي يجرجرونها على بلاط عقلي.محدثين ذلك الحفيف الموجع المستمر.هذا ما يجعلني لا انام.اسمع انينهم وهم يهمسون بالرجاء "ابانا الذي في السماوات،كفكف عذاباتنا،هدهد طيور اشواقنا على اغصان رحمتك،نجنا من هذا التيه".

يطوف البدو في رأسي و حين يدركهم التعب يقرفصوا ويشعلوا ناراً صغيرة يلتفون حولها.اسمع طقطقة العيدان المحترقة المعذبة في جحيمهم الصغيرة.ارق ارق.يتحدثون في امورهم اليومية وفي السياسة وفي الدين والجنس.

الكبت حطب الارق.يغني احدهم موال حزين بصوت بدوي يتماوج صعودا وهبوطا.بلكنة بدوي ضالع في الهجرات.تلتمع عيونهم بحزن دفين مجهول.انه الكبت والتيه والليل.وهم خوفهم من عتم الليل،والليل حرامي.

يرمقني احدهم بنظرة خبيثة من وراء اللثام.يفعل جميعهم.ويتخافتون في خبر لا ادركه.البدوي لئيم وخبيث.يختفي وراء لثامه.و وراء الاكمة ما ورائها.بماذا يغتابوني،عن غرفة نوم جارتنا التي كنت اراقبها خلسة في عين شمس؟ ايام الولدنة مع الفتاة المسيحية في دكان ابيها وزوجته.

صار لي شي مية سنة مشلوحة بهالدكان،ضجرت مني الحيطان،ومستحية تقول،وانا عيني ع الحلا والحلا ع الطرقات،غنيلو غنيات وهو بحالو مشغول.

غفوة التعب اعجز عن اقتناصها.اخايل هاملت خلف الستارة حذائه المعقوف الى الامام اراه بوضوح.نجيب الريحاني بطربوشه المجعد المائل واضعا يده على خده متحسسا شاربه الرفيع بحافة اصبعه ويغني بصوت خافت "كان بينا كلام وحديت وغرام ولا في الحواديت".الحنين لعنة لا فكاك منها،و الوطن وهم كبير.ان الارض خلقت كي تكون منفى.

رحل البدو وتركو نارهم مشتعلة.كانت تخبو شيئا فشيئا حتى تحولت الى جمر لا يهدأ.الريح الشرقية تهب بهدوء لتبقيني يقظا.اقصد لتبقي الجمر يقظا.ويبقيني الاخير قلقا لا انام.اين ذهب البدو.ذلك اللئيم اضمر شرا وراء لثامه.وراء الاكمة ما ورائها.

الوقت ثقيل.عقارب الساعة في صالة البيت اسمعها في السكون.تك تك تك.لن اعرف الوقت الا اذا سمعت صوت الاذان معلنا قدوم الفجر.انتظر ذلك مترقبا.فقد انام حينها وارتاح.او قد يشتعل قلقي بالجمر اكثر وتذهب غفوتي مؤجلة الى يوم آخر.لاقضي اليوم الجديد كله تعب ومحطم.بعيون ضبابية وسجائر كثيرة وضياع كثير.وفيروز اكثر

بيسكروا الغابي،بيضلهن متل الشتي يدقوا على بوابي.
يا زمان يا عشب داشر فوق هالحيطان ضويت ورد الليل ع كتابي
برج الحمام مسور وعالي..هج الحمام بقيت لحالي لحالي

-----------------------------------------------------------------------
عنوان البوست اسم لفيلم جزائري للمخرج محمد لخضر حامينا.وهو الفيلم الوحيد الذي نال السعفة الذهبية في مهرجان كان سنة 1975. 

3 comments:

Cognition Sense said...

كتير حلو هالبوست و كتير حلوين الأغاني اللي اخترتهن و خصوصاً الأخيرة... بحزنها

إنت صرت بتمثل لي قمة النوستالجيا، و ما عدت عارفة لو هيدا شي منيح أو لأ، لأن بالنسبة إلي الحنين دايماً حزين و أنا مش حابة إتذكرك فكرة حزينة...

حبيت كتير الجو اللي بهيدا البوست، مرات كتيرة الوحدة بتكون أحلى بكتير من رفقة أي حدا، و مرات كتيرة كمان إحساس الغربة بيكون أغنى من أي إحساس تاني...

بتمنالك نوم مرتاح
إنك تنام متأخر، أحسن من إنك ماتنام بالمرة

المنفي said...

هلاء جبران خليل جبران قال ان الوحدة لا تمنح القوة الا للاقوياء فقط
واحيانا بالفعل بتكون رفقتك لنفسك افضل مية مرة من رفقة الغير،وساعات بتكون اسواء رفقة مع الحزن والاكتئاب

هو الحزن مش بالضرورة هو الرديف القصري للنوستالجيا -الشعور الجارف بالحنين،الحنين برضو احساس حلو-ملتبس وغامض وما الو دوا غير الوصل بس للي بيتحول الحنين لشكل مرضي -مثل ما هو معي...بيصير منظار بنشوف فيه هالدنيا
عشان هيك ممكن نصل لدرجة من الغرابة انو نحن لمكان عمرنا ما شفناه

زي ما قال درويش الله يرحمو
الحنين هو الرائحة

وهو الاغنية والموسيقى كمان
هلاء انا ممتن للحياة الي انوجد فيها انسانة مثل فيروز،فيروز هي الحنين
مين ما بيسمع فيروز وما بيحس بالحنين

هالبوست انا والله كتبتو فجأة هيك لما سمعت فيروز،واتذكرت حالي ايام الجماعة كيف كنت ايام اقلق فيها كتير وما اعرف انام،وتضل فيوز جمبي طول الليل
وبتذكر بالتحديد يا حلو شو بخاف اني ضيعك،سمعتها استرجعت هاداك الزمن واتذكرتو، واتذكرت وسيم الي كان زمان
مش بحزن،باحساس غريب باعث على السعادة
انو الانسان الو مرجعية كبيرة بهالحياة
اوسع بكتير من لحظة الحاضر الضيقة الخنيقة الي بيعيش فيها

وما اتعس الانسان الفقير من الخيال
الفقير من المرجعية والميت على صليب الحاضر الضيق

المنفي said...

شو هالاخطاء الاملائية

**واتذكرت حالي ايام الجامعة

***فيروز