جمال عابر



العابرون سريعاً جميلون , لا يتركون ثقل ظل , ربما غباراً قليلاً , سرعان ما يختفى

الأكثر جمالاً بيننا المتخلى عن حضوره

التارك فسحةً نظيفةً بشغور مقعده

جمالاً فى الهواء بغياب صوته

صفاءً فى التراب بمساحته غير المزروعة

الأكثر جمالاً بيننا : الغائب

العابر سريعاً كملاك مهاجر

غير تارك إقامة قد تكون مكاناً لخطيئة , غير مقترف خطيئة , غير مقترف إقامة

لم يقم كفاية كى يتعلم اللغة

لم يقم كى يتشرب عادات , لا لغة و لا عادات و لا معلمين و لا تلاميذ

عابرٌ فوق اللغة , فوق العادات , فوق المراتب و الأسماء و الإقتداء

بلا اسم

فوق النداء و المناداة

و فوق الإيماءات إلا إيماءة العبور

و بلا صوت لأن الصوت ثقل فى الهواء

لأن الصوت قد يرتطم بآخر , قد يسحق صوتاً آخر فى الفضاء , قد يزعج النسمات

و بلا رغبة لأن الرغبة إقامة , ثبات

العابرون سريعاً جميلون

لا يقيمون فى مكان كى يتركوا فيه بشاعة

لا يبقون وقتاً يكفى لترك بقعة فى ذاكرة المقيمين

الذين أقاموا طويلاً معنا تركوا بقعاً على قماش ذاكرتنا لا نعرف كيف نمحوها

بقعٌ مؤلمة أينما كان على المقاعد بحيث لم يعد يمكننا الجلوس

المقيمون طويلا يسلبون مقاعدنا

يحولون أثاث بيتنا الى قطع منهم بحيث نجلس - إذا جلسنا - على ضلوعهم , على عظامهم

يسحق المقيمون المقيمين

أما العابرون فلا يسحقون أحداً و لا أحد يسحقهم

لا يطأون على كائنات و لا يثقلون خطواً على الأرض , حتى الهواء لا يلمحهم غير لحظة

بلا قلق و لا ندم و لا آلهة و لا أتباع , إيمان واحد لهم : العبور

المتخلون عن الأمكنة و الأوطان و الأباء و البنين , كاسرو القيد , مخربو المشنقة المصنوعة من حديد المكان و الزمان و الانتماء

انهم يتساقطون الواحد تلو الآخر , المتشبثون بالإقامة يتساقطون بأوطانهم التى صارت وهماً , بإنتمائتهم التى صارت كذباً

بأبوتهم التى صارت عبئاً , بايمانتهم التى تقتلنا و تقتلهم و تقتل الحياة

العابرون لا ضحايا لهم

هل لذلك بات علينا كى نمجد الحياة أن نمجد عبورها بسرعة , أن نمجد الإنتحار

سوى المرتحلين و اللا مبالين و العابثين بالإقامة و الممسوسين و الموتى من كان سيكتشف جمال العبور

و أية لحظة تكتشف جمال الحياة أكثر من لحظة الغياب عنها

هل لذلك تجب علينا مصادقة الرحيل أكثر من مصادقة الإقامة

و هل لذلك على حياتنا أن تكون فقط تمريناً على جمال الرحيل

أجملنا الذين ليسوا بيننا

الذين غادرونا خفيفين

تاركين بتواضع مقاعدهم لناس قد يأتون الآن الى هذه الحفلة

حفلة سخيفة و رغم ذلك لا يترك المتشبثون بالإقامة مقعداً

لكن لِم المقاعد ما دام المحتفلون يبدأون ضيوفاً و ينتهون أعداءً

لنمض إذن بخفة قبل أن تلتهمنا الخناجر

قبل أن نصير طبق الوليمة

لحظة الوصول الى الاحتفال هى كل جمال الاحتفال

و بعدها سريعاً يصير الجمال هو المغادرة

الخطوة المغادرة هى الأجمل دائماً

الراحلون يمتزجزن بالنسيم

و إذ نقف نحن لتشييعهم , فلنشيع معهم ذكراهم أيضاً

لأن الذكرى تعيق رحيلهم

تعيدهم الى اماكنهم , تجعلهم جماداً

الذاكرة تعيق الراغبين فى الموت , و تجعل الراغبين فى الحياة أمواتاً

فلندفنها إذن

لندفن الذاكرة و نحن نغنى

انها حفلة سخيفة فى أية حال

و لكن بما أننا وصلنا فلنغن و نرقص

ثوان قد نكون فيها جميلين

لكن أجملنا سيبقى الغائب.

3 comments:

الحلونجي اسماعيل said...

المقيمون طويلا يسلبون مقاعدنا
::::
بحق أشكرك لهذا الذوق الرفيع ..
وبحق أيضاً منذ مدة وأنا أنتظر تدوينة تستحق عناء التعليق , تدوينة يسلبها التعليق بعضاً من جمالها .
::::
لا أعرف لماذا جذبتني هذه الرقعة النثرية , لجمالها , أم لبوحها عما نشعر ونخجل على البوح به , أم للسببين معاً ...
المقيمون طويلاً يسلبون مقاعدنا .. صحيح ولا يصبحون عبئاً علينا فقط , بل نصبح نحن الضيوف لا المضيفين ,,
:::
العابرون لا ضحايا لهم
طوبى للعابرين اللي من هالنوع يا حوش يا مقيمون طويلاً .
:::
انتقاء جميل

المنفي said...

يمكن تقول عني بجاملك

يا حوش يا مقيمون طويلاًً
..
..
هاي جملة شعرية انا بعتبرها كتير رائعة وبليغة وحساسة
وسلبت من الشعر بعض جمالو

اولا لانها ضحكتني
ثانيا لانها حقيقية

ايلات said...

أجمل البلاد تلك التي لا يسكنها أحد، وأجمل الحاضرين العابر، العابر كهمسة أو أقل، كلمحة صوءٍ أو يزيد، العابر كرفة قلبٍ ولمعة خنجر..

جمالك العابر جميل
شكراً لكما.