المسيري في ذمة الله


لم احزن على الموت كثيراً مثلما حزنت اليوم على موت المسيري،وبدون مبالغة صعقني الخبر،لان اخر شيء سمعته عنه ان تعافى من وعكته الاخيرة،ولكن الله اخذ امانته،ولله ما اخذ ولله ما اعطى،وانا لله وانا اليه راجعون
ضعيف انا امام الفقد،ولكن اسجل هنا وللمرة الاولى ينتابني شعور غامر بالرضا،فالمسيري رحمه الله وعلى مدار حياته اغنى الثقافة العربية من عصارته الفكرية وثقافته وعلمه،ولم يبخل ابدا على امته المنكوبة في عقلها،خصوصا بعمله الفذ (موسوعة اليهود واليهودية) والتي امضى فيها المسيري ربع قرن حتى ينجزها، ظل المسيري حتى آخر رمق يشع من فكره ويغمرنا بعلمه،كان رحمه الله في ايامه الاخيرة يعكف على اعداد موسوعة جديدة عن المجتمع الاسرائيلي من الداخل ولكن الله قضى بالفراق،لاحقا لابد ان اكتب عنه كثيرا،ولكن اليوم كوفاءاً لهذا الانسان والمفكر المسلم العربي العظيم،انشر بوست قديم قد نشرته قبل سنة بعنوان (شذرات من حياة عبد الوهاب المسيري) واعتقد ان هذا البوست يحاول الى حد ما تلخيص شخصية وفكر وروح عبد الوهاب المسيري وهي مقتطفات كتبها بنفسه وعن نفسه،ارجو من الجميع قراءتها بتأني،وقراءة الفاتحة على روحه





(1)

كمريض أو مثقف اهتم المسيرى بفكرة البديل في الطب وغيره، وسجل خواطر لذيذة "لم أكتف بالطب التقليدي بل لجأت إلى أنواع من الطب البديل كالعلاج بالإبر الصينية والأعشاب ولا أدرى هل استقرت حالتي بسبب الطب العادي أم البديل أم بمزيج بينهما، مما شجعني على الاستعانة بالطب البديل أن أستاذ للشعر الانجليزي (متخصص في الشعر الرومانسي) أصيب بالمرض وقال له أن أمامه ستة أشهر وأن الكيماوي يسبب وفاته فوراً فاستخدم الطب البديل، وأحد تلك الوسائل الغريبة ما يسمى بـ"التخيل الصيني" وهو أن يتخيل الإنسان نفسه مع احد أصدقائه وقد نزلا سويا في شرايينه ليقابل الخلايا السرطانية ويبدأ في ضربها حتى تقع ميتة فكنت أقوم بهذه التمارين، وكان ما يسعدني أنى أجد كثيرا مما يمكنني أن أدخلهم التي تجربتي الخيالية

(2)

"المجتمع الدمنهوري كان يرفض التبديد بكل أشكاله، وكنا إذا سرنا ووجدنا قطعة من الخبز نقبل اللقمة ثلاث مرات قبل أن نضعها إلى جوار الحائط حتى لا يطأها أحد بقدميه، كنا نلقى بالقليل فئ سلال القمامة والباقي يخضع للتدوير ..ورق الجرائد ـ علب الأكل المحفوظ "فقد تعلمت أمي مع أزمة الكبريت الحرب العالمية الثانية أن تحتفظ بلبمة سهارى وكنا حينما نود إشعال (البابور البريموس) نضع قطة من الكرتون (من علب سجائر تم قصها) في اللمبة لنشعلها، وقد أعجبتها الفكرة فظلت تمارسها إلى يوم وفاتها في منتصف السبعينات فهو التزام بالتدوير وان كل شيء نعمة من الله

أما أنا فقد ورثت شيء من هذا، فأنا اعشق استخدام الورق الدشت وارتدى الملابس حتى تبلى تماما، وتشكو زوجتي من أن بعض الفقراء ممن تعطيهم الملابس القديمة يقولون "بلاش والنبي الحاجات دى"، وزوجتي توافقهم الرأي إذ ترى أن ملابسي تصلح بالكاد لأعمال النظافة
ويوم زفاف ابني في أحد الفنادق سألت مدير الفندق أين سيذهب ما يتبقى من المأدبة، فقال بتأفف شديد وقال زبالة

ابتسمت له في هدوء وأخبرته أنني سأحمل كل الأكل معي، وافق ونظر لي نظرة تعنى - وبيقولوا عليك كاتب كبير


(3)

كلما أفكر في الإشكالية التي يضعنا أمامها كل من الأصوليين والحداثيين أتذكر هذا المشهد حين ذهبت لاستمع للسيد الضوى (منشد السيرة الهلالية الشهير) في المجلس البريطاني ومن المعروف أن السيرة تبدأ دائما بالصلاة على النبي ولكن المنشد لاحظ وجود عدد كبير من الأجانب غير المسلمين والأخوة الأقباط فأحس أن عليه أن يطور من افتتاحيته بما يتلاءم وهذا الوضع دون أن يلغيها أو يستأصلها (كما يفعل بعض التحديثيين) أو يصر عليها بحرفيتها ( كما يفعل بعض الأصوليين) فأضاف عبارة وكل اللي له نبي يصلى عليه وبذلك أنجز المنشد ما يجده بعضنا صعبا الحفاظ على القيم دينية كانت أم أخلاقية وتوسيع النطاق حيث يمكن للأقليات أن يشعروا أنها لا تستبعدهم فنحن كما يعلمنا الإسلام أمة واحدة

(4)

بدلا من انجلترا ذهبت إلى الولايات المتحدة للدراسة عام 1963 وفى البداية قضيت شهرا في جامعة ييل ، عند وصولي عقدوا للطلبة الدارسين الجدد امتحانا موضوعيا (اختيار متعدد) تكون فيه الإجابة بنعم أو لا لتحديد مستواهم الثقافي واللغوي وكنت أجد أن الإجابة الصحيحة أو الذكية لا هي بنعم ولا بلا وإنما تقع بينهما، وكانت النتيجة رسوب بدرجة لا نظير لها، لذا قرروا أن ادرس اللغة الانجليزية لمدة عامين قبل أن التحق ببرنامج الدراسات العليا، ونظرا لثقتي بنفسي أخبرتهم أن الخلل ليس في وإنما في الامتحان فهو امتحان سخيف لا يقيس قدرات الطالب الحقيقية وإنما سرعة بديهيته واستجابته وأكدت لهم أن أدائي بعد أن عرفت الطريقة أو الحيلة سيكون مختلفا تماما وجربوا معي مرة أخرى فحصلت على أعلى درجة بين المتقدمين، وكانت هذه من أولى المواجهات بيني وبين الحضارة الأمريكية بسذاجتها وخيلائها

(5)

كنت في مجتمع تتقارب أجياله في كل شيء الأكل والملبس، وإذا غاب الأب هناك دائما من يحل محله من أعمام، وحين سافرت في الغرب وجدت تطاحن وحشي وفردية مطلقة، فحين يصل الفرد إلى سن 18عليه أن يجد منزلا وحده إذ أن أسرته ترفض الاستمرار في الإنفاق عليه، وفى سن الستين عليه أن يجد ملجأ للعجزة لأن أبناؤه لن يسألوا عنه إلا مرة واحدة في السنة، عندما كنت أرى هذا وأن التقدم والانتقال لدول العالم المتحضر قد يصل بنا إلى هذا كان يصيبني الهلع

حكي لي صديق أمريكي يوما أنه يرى ضرورة لهذا السلوك؛ لأنه إذا استمر أولاده في الإقامة معه بعد سن الثامنة عشر سيرفع عنه الدعم الضريبي ويتحمل تكلفة مصاريفهم تكلفة كاملة، في حين أنه لو حصل أحدهم على سكن خاص سيحصل على نظام دعم مستقل لشخصه

(6)

عندما اشتد المرض على الاستاذ عبد الوهاب المسيري ذهب إلى الولايات المتحدة لإجراء عملية زرع نخاع وبدأ علاجه على يد دكتور اليكسنيان وهو من أشهر المتخصصين في الميلوما وقال عن اللقاء الأول
كان لطيفا للغاية وسألني عن الشاعر الانجليزي المفضل لدى، ثم أخبرني أنه يمكن إجراء عملية لأنني دون ال 65 وعندي من المال ما يغطى التكاليف (اخبرهم المكتب الصحي التابع للأمير عبد العزيز بن فهد أنه سيتكلف بدفع التكاليف) وفى اللقاء الثاني كان الاكتشاف حين ذهبت لإجراء الفحص السنوي في العام التالي وجدت د. اليكستان تعاقديا بشكل رهيب ينطبق عليه ما يسمى عقدة جوبيتير، وجوبيتير هو الاسم اليوناني للإله زيوس، فالطبيب المصاب بهذه العقدة يتصور أنه إله كنت جالسا على الكرسي أنا وزوجتي وحين دخل د.اليكستان قمت احتراما له لعلمه وسنه، ولكن بدلا من أن يصافحني جلس على مكتبه وسألني لماذا وقفت؟ فأجبته عن سؤاله، فلم يعلق

وقال: إنه تمرين رياضي لا بأس به ومفيد للعضلات

أي إنه حول تحيتي التراحمية إلى شيء يخصني وحدي ويعود على بالفائدة العضلية أي المادية ثم اخبرني إنني من خلال عملية نقل النخاع وصلت إلى ما يسمى "الكمون الجزئي" الأمر الذي يعطيني أربع سنوات فابتسمت وقلت لزوجتي هذا يعنى إنني يجب أن انتهى من مشروعاتي الفكرية في ثلاث سنوات ونتنزه سويا في السنة الرابعة والأخيرة
ففوجئت به يقول "أنا لم اقل أنك ستموت بعد أربع سنوات .. ممكن تموت بعد ستة أشهر" فسألته:هل لهذا علاقة بالميلوما، قال: لا، لكن يمكن أن تصاب بالانفلوانزا أو أي مرض آخر، فضحكت وقلت له: عندنا في القاهرة يمكن أن تقوم عربة ميكروباص أو نص نقل في أقل من 24 ساعة - أي حاولت أن اخبره بطريقة علمانية أن الأعمار بيد الله

3 comments:

Anonymous said...

اعزيك و اعزي نفسي بالطبع يا نوستليجا و الله يرحمه نهاد

محمد المصري said...

الكتاب اللي انتَ ناقل عنه - رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمار - بعتبره واحد من أهم الكتب اللي قريتها في حياتي وأثرت فيَّ ، مش بس على المستوى العلمي أو المعرفي ، إنما كمان على المستوى الإنساني .. تجربة الحياة الممتدة والمتسعة ، د.المسيري الله يرحمه كان عنده قدرة يوصل أكثر الأفكار تعقيداً عن طريق موقف بسيط جداً وده اللي قدر يعمله في كتابه هذا ، من وجوده في مصر لمحاربته كي يسافر إلى أمريكا إلى عودته وبداية رحلته الفكرية ، كيف قاوم السرطان وكيف انتصر عليه ؟ ، كيف كان خير نموذج للعالم المجاهد الحقيقي الذي لا يكتفي فقط بالتحليل والتنظير ولكن يحاول أن يقول كلمة الحق أيضاً

دكتور المسيري تجربة حياة ممتدة وشاملة وأعتقد إن موسوعته الشهيرة .. وكذلك كتابيه عن العلمانية الجزئية والشاملة من أهم الكتب الفكرية العربية الحديثة على الإطلاق

وعلى المستوى الإنساني - حيث تشرفت بالتعامل معه بشكل شبة شخصي - كان قمة في التواضع وخفة الدم والبساطة ، وكلامه المنقول هنا عن ملابسه وما إلى ذلك .. صحيح تماماً ، فقد كان بسيطاً في ملابسه وأسلوبه للدرجة التي لن تصدق - إن لم تكن تعرفه - أن هذا الرجل واحد من صفوة المفكرين العرب في العصر الحديث

وحتى النهاية كان يزال يناهد ويكتب ويصرخ بما يراه حقاً أمام سلطان جائر وكما ذكرت أنت فقد كان - رحمه الله - بصدد عمل فكري عن المجتمع الإسرائيلي يوضح من خلاله رؤيته التي قالها كثيراً في شهوره الكثيرة - تحديداً في ذكرى قيام إسرائيل منذ أقل من شهرين - أن إسرائيل مجتمع منهار داخلياً وسيفنى تماماً خلال خمسون عاماً

ولكن الله قضى أمراً كان محتوماً
رحم الله الدكتور المسيري وأسكنه فسيح جناته بإذن الله

alzaher said...

رحم الله فقيد الأمة