في سبيل الضوء



في ذلك الصيف الذي قام به رجال المقاومة بإختطاف المغضوب عليه شاليط قلبت اسرائيل الدنيا فوق رؤوسنا كالعادة،ولا اذكرعدد الشهداء والجرحى من العدوان الاسرائيلي،ولكني اذكر جيداً تلك المعاناه التي ارتبطت بإنقطاع الكهرباء عن القطاع بعد قصف محطة توليد الطاقة المركزية وسط القطاع،لم نكن ندرك تلك النعمة التي اسمها الضوء الا بعد ما عانينا نقمة العتمة،يقال ان العتمة هي اصل الوجود،وان الضوء ما هو الا استثناء على هذه الارض،فالعتمة هي المبتدى والمنتهى،ولكن الانسان لا يستطيع الانعتاق من تلك الغواية التي اسمها الضوء،فهو اوهن من الخوض في حكمة الفلاسفة التي لا ترى الحقيقة الا في العتمة،لذلك نحن جميعاً من انصار الضوء،كانت ايام صعبة بحق في ذلك الصيف الساخن ولكن بحمد الله عادت الكهرباء،ولكن لم نعد نحن كما كنا،او على الاقل لم اعد انا كما كنت،فقد ارتبط في نفسي ارتباط شرطي بافلوفي نسبة الى بافلوف انقطاع الكهرباء بالكآبة والعصبية الشديدة والخنقة والرغبة الملحة في الخروج على الفور من البيت،ولازمتني تلك الحالة حتى هذه الايام التي عادت فيها الكهرباء الى الانقطاع،ولكن بفضل الله ليست بضراوة العتمة في ذلك الصيف المميت،ولكني لازلت اعاني من ذلك الارتباط الشرطي

بعد قصف المحطة ظلت الكهرباء منقطعة 3 ايام متواصلة،واذكر جيداً متى عادت،في لحظة كنت اقف امام بائع الفلافل في انتظار اقراصي العائمة في الزيت،عادت الكهرباء فجأة، ولم اجد الا الرجل السبعيني الطاعن ذو اللحية البيضاء الثلجية ان زعق بملء صوته،متبرماً من ذلك العناء والانقطاع الذي ادى الى افساد عجينة الفلافل في الثلاجة،والى تلك الحياة التي لم تعد صالحة للعيش،كنت غاية في الكآبة ووجدت في نفسي عدوانية شديدة اتجاه هذا الشيخ،كان نفسي اقلب عليه قلاية الفلافل واقول له ياعم روح موت،زعلان كتير على الحياه،انتا لو كحيت راح تفرط،ايش نقول احنا
بعد ذلك انتظم انقطاع الكهرباء،واصبح هناك جدول ينظم فترات الانقطاع اليومية التي تمتد الى 12 ساعة في اليوم،فاصبحنا ننظم حياتنا على هذا الجدول الذي ينظم موتنا اليومي،ولكن الذي لم نجد له نظاماً او جدولاً هو انقطاع الرواتب في تلك الايام،فكنا نبقى قرابة الثلاث اشهر بدون الرواتب،يلعن اختها من ايام،كان القطاع يكرس القطعة والقطيعة في كل جوانب الحياة،عادت الرواتب المقطوعة وعادت الكهرباء المقطوعة ولم نعد نحن كما كنا وتكرست نفوسنا المقطوعة عن بعضها البعض

اعتقد بأن ما حدث في الصراع الفتحاوي الحمساوي في غزة هو اسوا ما مر على الشعب الفلسطيني من ايام النكبة،فقد سجلنا لاول مرة حالة الصراع الداخلي والحرب الاهلية التي كانت في منأى عن اسوأ كوابيسنا الفلسطينية،احزابنا السياسية لم تأتي من المريخ،انها افراز طبيعي لشعب يعيش قضية تحرر،ولكنها في النفس الوقت عرتنا،واظهرت هشاشتنا،وضعفنا امام رغباتنا واطماعنا وشغفنا الدامي بالسلطة،وكشفت كم اصبحنا قبائليين منقسمين على انفسنا نرسخ الفصل التعسفي والحاد بين الاخ واخيه،بين الاب وابنه،وبين الزوجة وزوجها،في سبيل القناعات الحزبية والدينية المنغلقة النابعة من جهلنا وتعصبنا و التباس مفهوم الوطنية و التدين عندنا

لم انظم بشكل رسمي او غير رسمي في اي عمل سياسي او حزب معين في القطاع،لا لشيء ولكن لاني كنت في شغل عن السياسة،ولكني كنت معارضاً بالفطرة،ولان سلطتنا الفتحاوية كانت تدفعك دفعاً نحومعارضتها،وكرهها الى درجة الحقد الاعمى،وبدأ معي هذا الحقد منذ بدايات دراستي الجامعية في جامعة الازهر العتيدة وهي فتحاوية بإمتياز،ولم يكن يفصلها عن الجامعة الاسلامية التابعة لحماس الا سور مشترك بين الجامعتين،ولكن كان بينهما كره عميق تراكم مع الايام وتدحرج ككرة ثلج حتى وصلنا لما نحن عليه،لم تكن تلك الشبيبة الفتحاوية الا سلطة اوسلوية مصغرة،تعج بالفساد المالي والعهر والنفعية واستغلال مطالب الطلبة لمصالح شخصية،حيث كان رئيس الجامعة عضو في اللجنة المركزية وله يد واصلة في جميع مؤسسات ووزارات اوسلو،فكان قادراً على اخراس جميع مطالب الطلبة عن طريق منح الامتيازات المالية والوظيفية لاعضاء مجلس طلبة الجامعة،حيث كانت درجة المدير في احدى الوزارات يسهل الحصول عليها،بما ان الاخ ابو عمار بإمضته الركيكة قادراً على جعلك مدير عام في غمضة عين،وما عليك الا ان توصل له طلبك عن طريق احد ابنائه الفتحاوين المدللين
كما اسلفت فانا معارض بالفطرة،ولكن ليس هذا هو السبب الذي جعلني معارضاً لحكم حماس الذي شقينا به،بل لانني اكتشفت في نهاية الامر ان حماس وفتح لا يفصلهم عن بعض الا سور مشترك،كالسور الذي كان يفصل جامعة الازهر عن الجامعة الاسلامية،وان هذا السور هو كحافة العملة التي لها وجهين،ولكن في النهاية هي عملة واحدة

ارهقني ذلك السجال الحمساوي الفتحاوي الدائر في بلدنا،فلا تكاد تخلو جلسة الا ويثار هذا السجال العقيم،ولا تركب تاكسي الا وينكش احدهم هذا الموضوع،وذلك لان كل جوانب حياتنا القاسية اصبحت تدفعك دفعاً نحو هذا السجال الذي ستفنى به اعمارنا قبل ان ننهية او نخرج منه بنتيجة،وهذا مستحيل ما بقينا احياء،وذلك لان كل الفلسطينيون لديهم وهم امتلاك الحقيقية المطلقة،واذا كان يمتلكها فلماذا يبحث عنها

اعياني ذلك الصراع الفكري اعياني بحق ولكني كنت عاجزاً عن التوقف عن اقتراف ذلك السجال اليومي،الذي امسى حشيشتنا اليومية التي لا مفر من تعاطيها
في احدى المنتديات العربية المحترمة (وهي نادرة) كتبت مقالاً في نقد المجتمع الفلسطيني،وفي نقد العقلية والذهنية المسيطرة عليه،فاكتشفت كم الحمساووين العرب الموجودين في هذا المنتدى بما فيهم المشرفين الذين تخلوا عن مسؤوليتهم الحيادية وخاضوا في الصراع المرير
حيث كان نقد المجتمع الفلسطيني (الغزاوي بالتحديد) هو نقد لحماس بالضرورة،فبما ان حماس هي اختيار حر وديمقراطي للشعب وهي الحاكمة المطلقة والوحيدة للشعب الغزي،فالشعب هو حماس وحماس هي الشعب،فأتت التعليقات من النوع الحمساوي العدائي الصرف،المخون والمكفر لكل رأي مغاير، حيث التدين الاحمق والجاهل حاضر وبكثافة مخلتطاً بالوطنية المثالية العمياء ،وبهذا السجال العدواني تم تحييد النص الاصلي وتغييب فكرته ومناقشة عناصره ونقدها،وانتقل النقاش الى منطقة اخرى تم استدراجي لها دون ان اشعر،وبدوري انا صاحب النص الاصلي حدت عنه ونسيته وخضت في صراع التعليقات المرير،وبدأت في مهاجمتي لحماس ولفكر حماس المنغلق التكفيري التخويني ولعقيدة حماس الدينية المشوهه والضلال الذي تموج فيه حماس من جراء تكالبها على كرسي الحكم على حساب الدين والمقاومة،ولا اخفي اني كنت سعيداً بهذا السجال لشعوري اني استطعت ان اثير اسئلة لم يتعود عليها مؤيدي حماس،حيث تعودوا على السباب الفتحاوي القذر والنابع من الجهل والانحطاط الخلقي،وما زادني زهواً عجز الكثير منهم عن الاجابة عن هذه الاسئلة الدينية والوجودية الحساسة ،والتي زادتني زهواً وعدوانية اتجاه كل شي يتعلق بحماس،وبما فعلته وتفعله وستفعله فينا حماس،وبشقائنا وخوفنا ورعبنا من وحش تغول علينا اسمه حماس،وفي غمار حرب التعليقات العدائية بيني وبين المعلقين اتى ذلك الضوء (التعليق) الذي انار لي عقلي بعد انقطاع طويل لتيار الكهرباء

و كعادة الأشياء العربية المهزومة ،يتكلم شىء ما بشكل منطقى حول أسباب النصر ، ثم لا يمانع فى أن يشارك الأشياء الأخرى و بمنتهى النشاط أسباب الهزيمة،الرجل أتى ليقارن المجتمع الإسرائيلى بالمجتمع الفلسطينى ، و رغم اعتراضى على هذا فى أحد جوانبه إلا أننى قد أفهم المقارنة على أنها بين المجتمع الاسرائيلى و أى مجتمع عربى آخر،و فى هذا الإطار فإن الموضوع سليم برأيى .. فقد خلت مجتمعاتنا العربية من أدنى قيمة للآدمية مثلاً ، و ذلك ما أوضحه المقال فى المثال الأول ، ثم تأتى بقية الأمثلة لتؤكد استحقاقنا للهزيمة و لكن لم نناقش المقال كالعادة ، بل نجحنا فى تكريس أسباب الهزيمة ، و جرجرنا المقال للمنطقة المحببة لنفوسنا ، و كأن الانشقاق و الخلاف و الهواش كائنات خلقت لنرعاها عند كل لقاء ، و كأن بذور الشر ستشكونا إلى الله إن لم نزرعها و قد ساهم فى هذا صاحب المقال نفسه مما لا يعد مفاجأة لى لأنى أعرف مسبقاً أنه عربى آخر ، فترك أصل مقارنته ليقارن بين حماس و فتح و ليؤكد دون قصد أنه لا يؤمن بالمقارنة الأولى ، هو يعرفها فقط و قد يكون ناقلاً لها و لكنه لا يؤمن بها بأى حال من الأحوال ، و إلا لبقى عند أصل موضوعه إخوتى الأشياء ،أنتم لديكم قدرة جميلة على الإحباط

لا ادري كم من الوقت مر وانا مبهوت وسرحان بعد قراءتي لهذا التعليق،هاهو المجادل العنيد الذي كان مزهواً ببلاغته وقوة حجته انكشف على حقيقته و اكتشف انه اول من سقط في الفخ،واول من تدحرج الى تلك المنطقة المحببة لنفسه،مكرساً هو بذاته اسباب الهزيمة التي تحدث عنها في مقاله وذلك لانه عربي،اي انه لايختلف في شيء عن مجادليه،باذرا بيده بذور الشقاق التي كان يشكو منها
تلبسني ذلك الوهم الذي تسرب الى من المجتمع الذي اعيش به ولم اجد نفسي الا انعكاس صارخ لامراضه وتجلياته الانفعالية،لا ادري لماذا تغيرت،ولماذا تغيرنا ولم نعد كما كنالم نكن ملائكة تمشي الهوينى على الصراط المستقيم،ولكن المحبة والتآلف والسكينة الروحية المتبادلة كانت تحكمنا،كنا فتحاويين وحمساووين ولكننا كنا نقبل انفسنا على علتها ملتمسين لها العذر في ظل تحفزها الدائم للموت في ظل الانتفاضة،ما احلاها ايام الانتفاضة،بكل عذاباتها كانت افضل مائة مرة مما نحن عليه الان،حيث الاخ يقتل اخيه ويخوض في دمه في سبيل الهباء

امر بحالة جميلة من التصالح مع النفس ومع الغير،وبحالة من التفاؤل والاشراق،فدوام الحال من المحال، شعرت بأنني كنت مخنوقاً في ذلك النفق الضيق المظلم الذي كنت اتعارك فيه مع نفسي ومع غيري في سبيل الهباء،كنت نزقاً وحاد الطباع ومصاب بذلك الاشتراط المصاحب لانقطاع التيار الكهربائي ،ادعي بأني تحررت من تلك العقدة وخرجت من ذلك النفق متصالحاً مع نفسي ومع غيري في سبيل الضوء

11 comments:

الحلونجي اسماعيل said...

مش راح أصب لعناتي على فتح زي كل مرة وأقف بجانب حماس كعادتي ... علماً أني لازلت ضد فتح ومع حماس .
هي يا صديقي الحياة الصعبة ما تعيشونه في غزة , بل إن كلمة صعبة قليلة ... صدقاً ولأول مرة مش عم يطلع معي حكي ..
إلي رجعة وقريباً بلكي.

Maria said...

بصراحة عندي تعليق أو سؤال على كل نقطة ذكرتها..بس عشان ما أطول عليك وكمان لأن وجعوني عيوني من القراءة.. رح أكتفي وأقولك "تحياتي إلك"! بالتوفيق..


ماريا

مستنية رجعة "الحلونجي اسماعيل"

المنفي said...

والله يا حلونجي الحياة صارت كتير صعبة
المشكلة انو الواحد مش ملاحق خوازيق
بس ما في مشكلة على الاطلاق انك تكون ضد فتح ومع حماس
مهو احنا لو تبادلنا الاماكن راح تتبادل المواقف
بس الفرق اني حتى لو كنت بالضفة راح كون ضد فتح وضد حماس
............................
maria
هاي مشكلتي الي انا نفسي بعاني منها وهي الرغي والكلام الكتير
والله اني اول ما ابدا اكتب بكون ناوي اعمل بوست خفيف ومعبر بس ما بلاقي حالي الا مضطر ارغي كتير عشان اقول الي ع بالي

تعي مرة تانية بتكون عيونك ارتاحت حاضرين لاي استفسار او نقد او تعليق

شكرا الكم

الحلونجي اسماعيل said...
This comment has been removed by the author.
المنفي said...

شايف كيف يا حلونجي دماغك المركبة شمال
شو عملت فينا
يعني بعد كل الي قلتو انا بالبوست
بدك ترجعنا تاني نجادل بعض عن فتح وحماس

قلتلك لو تبادلنا الادوار راح تختلف المواقف
وقلت قبل هيك
تلعنوا حكومتكم في الضفة
ونلعن حكومتنا في غزة
ولكم حكومتكم ولنا حكومتنا

ما راح اخوض في هالجدل العقيم
بس بإختصار
لا يعتبر اصلاح او تغيير ان تغير سيء بسيء
حماس ولا فنح كلو زفت
وما في مفر من هالجحيم الي بنعيشو الا انهم يتفقوا
لا حماس بتقدر تنهي فتح
ولا فتح بتقدر تنهي حماس
لازم يفهموا ويستوعبوا انو ما حدا راح يقدر ع التاني

واترككم الان مع هذه الاغنية المصرية التراثية
حسن يا حسن يا بتاع الزيت

الحلونجي اسماعيل said...

والسؤال المطروح الآن هو : ما الذي يمكن عمله اليوم , وليس ما كان ينبغي عمله بالأمس ؟.


باين إنو انت دماغمك المركبة شمال.

وإذا ما بدك تخوض بهالجدال العقيم ليش الكم سطر اللي تحت ( الجدل العقيم )!!!

وبصراحة أغنية بايخة كثير ... صحيح واحد غزاوي وفلسطيني ويمكن لاجئ كمان ..
:)

Maria said...
This comment has been removed by the author.
Maria said...

انا احترمت وجهات نظرك بالبداية..بس هلأ..للأسف..طلعتوا متل الصغار اللي بحكوا "أصلا سيارة أبوي أحسن من سيارة أبوك"!!

مش كأنه انتو التنين من نفس البلد؟!..ليه وعلى أساس عقولكم كبيرة وما بدكم تخوضوا في نقاشات حول "مين أحسن فتح ولا حماس".

بصراحه يا حلونجي كنت رح أعطيك A كعلامه عالمقال..بس خربتها يا زلمة!

كيف ناويين تحرروا هالبلد (اللي بجوز من وراكم كمان شوي يصير بلدين)إذا مش قادرين تحبوا وتحترموا بعض..

إحكوا عني عقلي مركبة يمين ولا شمال بس هاد رأيي..كما كان رأي أخونا المنفي

واللي بدافع عن فتح أو حماس ناوي يقسم البلد والشعب أكتر ما هية مقسمه..قال هاد فتحاوي و هاد حمساوي وهاد غزاوي وهاد شمالي و هاد غربي!


تحياتي إلكم وأرجو انكم ما تزعلوا من كلامي أنا بحكي بشكل عام..

ماريا

eshrakatt said...

صباح الور
معرفش ليه وانا بقرا حسيت انى بسمع فيروز ردنى الى بالادى
صحيح انا مصرية حتى النخاع ولكننى فلسطينية الهوى بعشك هالبلد يا ذلمه وبعشق اهلها بس بصراحه بصراحه اهلها الى جواها او الى منفيين رغم عنهم اصلى بصراحه لو فلسطينيه والله ماسبها لو هموت فيها الف مره

الحلونجي اسماعيل said...

أعتذر منك صديقي .
سأقوم بشطب مشاركتي فيما يتعلق بموضوع تأملات 2006
كون برنامج استاذي الجامعي قام برصده في مدونتك ... وسأبرهن له أنني أنا صاحب هذا المقال بحذفه عن بكرة أبيه .
أعتذر بشدة .
الحلونجي اسماعيل.

Handala said...

تحياتي لكم من الضفه
هذه اول مشاركه لي في مدونتك

حياتنا صعبه .. وهذا قدرنا .. بأنا فلسطينين

الله يفرجها ع الجميع