ارض البرابرة خلف الجدار



قال المفكر الفلسطيني الاميركي "ادوارد سعيد" رحمه الله في كتابة الاستشراق في الفصل الثاني (الجغرافيا التخيلية -شرقنة الشرق)


"إن جماعة من البشر تعيش على بضعة هكتارات من الارض ستقيم حدوداً بين اراضيها ومحيطها المباشر وبين ما هو خارج عن ذلك، وتسمي ما يقع عبر حدودها أرض البرابرة"


يعني انني اعيش في مكان ما واقيم حدوداً لنفسي بهذا المكان، وأسمي كل ما هو خارج هذه الحدود التي بنيتها حولي ارض البرابرة،ارض الكفرة


""وبكلمات اخرى،ان هذه الممارسة الكونية،أي تحديد مجال مألوف في ذهن المرء يسمى مجالنا،ومجال غير مألوف خارج مجالنا يسمى مجالهم هي طريقة في خلق مجالات جغرافية يمكن ان تكون مطلقة الاعتباطية"


اي ان هذه الممارسة الفصلية وهي ان احدد وابني لي مجالاً مألوفا بالنسبي لي،من صنعي ومن تخيلي واسمي هذا المجال مجالي،او هذه الحدود حدودي وهذه ارضي،وان ابني واتخيل مجال آخر غير مألوف بالنسبة لي ومعادي لي بالضرورة لانه ارض البرابرة كما تخيلته وكما اطلقت عليه،هي ممارسة اعتباطية ومخلة واختزالية في خلق حدود وفواصل ومجالات تخيلية غير موجودة بين البشر

ويكمل سعيد قائلاً

"وانا استخدم كلمة اعتباطية هنا لان الجغرافيا التخيلية من نمط ارضنا-ارض البرابرة لاتشترط ان يعترف البرابرة انفسهم بهذا التمييز،بل يكفي لنا نحن ان نقيم هذه الحدوج في اذهاننا وفي هذه الحال يصبح "هم" "هم" بمقتضى ما نفعله نحن،وتحدد كلتا ارضهم وعقليتهم بأنهما مختلفان عنا لنا"


اي عندما اتخيل تلك الحدود التي بنيتها حولي وان ما هو خارج هذه الحدود هو ارض البرابرة لا يشترط ان يعترف من هو خارج هذه الحدود البرابرة بهذا الفصل التعسفي الاختزالي،فيكفي ان اعترف انا بهذا الفصل وحدي،وبهذه الحالة يصبح هم البرابرة او الكفرة بقدر ما انا حضاري ومؤمن داخل الحدود التي تخيلتها.

.......

...

من منا كافراد وكجماعات لم يخض في هذه التخيلات الجغرافية،ومن منا لم يبني حوله حدوداً وجدران انغلق داخلها وكفر كل من خارج هذه الجدران،ولا احصر مصطلح التكفير في الفكر الديني بل في كل فكرة مطلقة، فأنا اكفر كل من يخالفني الرأي ووجة نظري،فما اراه انا داخل هذه الحدود وخلف هذه الجدران التي تخيلتها وبنيتها هو الحق الذي لا يأتي الباطل من بين يديه،وما خارج هذه الحدود ما هو الا محض كفر يموج في ارض الكفرة،ارض البرابرة الذين لا يؤمنون بالحق المطلق الذي اؤمن به.

اننا نعيش في حالة مستعصية ومتصلبة من الرفض لوجهة النظر المغايرة

فاليوم،ونحن في الالفية الثالثة حين تناقش احداً وتخالفه في الرأي يبدأ على الفور في تكفيرك وتخوينك وذلك لانك تعيش خارج جغرافيته التخيلية وحين تحاول كسر هذا الجدار قائلاً يا رجل كل شيء في الحياة نسبي،ونظرة كل فرد للشيء تختلف عن الاخر،وتذوق السياسة والفن والجمال شيء نسبي يختلف من شخص لاخر،وان الاختلاف سنة الكون والحياه،ولولا تعدد الاذواق لبارت السلع، وانها يا عزيزي في النهاية وجهي نظري...يغمض عينيه نصف اغماضة ويرفع سبابته في وجهك مردداً مقولة ابو علي اخشى ما اخشاه...الخ الخ.

ناهيك عن سيل الشتائم في انك حمار برخصة،ومبتفهمش،متخلف وغبي وبريالة،ويحاول مستميتاً في اقناعك وادخالك الى عالمه ،عالم الايمان والحقيقة المطلقة وينشلك من جهلك بقوله اسسسمع انا بعرف الصحيح سيبك من الطبيخ والعدس الي معبي راسك،مدعيا امتلاك الحقيقة المطلقة.


اؤمن ان الجغرافيا التخيلية التكفيرية هي السبب الرئيسي في تخلفنا الحضاري وتراجعنا في مؤخرة الامم،تلك الجغرافيا التي حولتنا الى محاميين جهلة وفشلة عن اسمى قضيتين "الاسلام وفلسطين"وهي السبب الرئيسي في الانقسام السياسي والاستقطاب المجتمعي الحاد بين التيارات السياسية التي تغذي هذه النزعات خدمة لمصالحها الحزبية السياسية.

اعتقدنا للوهلة الاولى اننا شعب نضاهي في تحضرنا كل شعوب المنطقة بالانتخابات الديمقراطية التي خضناها في العام 2006 ثم تدحرجت الامور حتى وصلنا لهاذا الحال المزري،حين اعتقدنا ان الديمقراطية هي عبارة عن صندوق انتخابات مليء بالاصوات فقط،وحين جهلنا ان الف باء الديمقراطية هي قبول الرأي الاخر،وقبول الاخر على علته و اختلاف رأيه معك،على افتراض ان هناك بين الفلسطيني واخيه الفلسطيني مصطلح الاخر،وحين اعتقدنا ان الوحدة الوطنية ووحدة الامة معناها ان يجمع الكل على رأي واحد ووجهة نظر واحدة،وليس ان مفهوم وحدة المجتمع وترابطه هو قبول وصهر واستيعاب كل الاختلافات والاطياف الفكرية في مجتمع مدني ذو مؤسسات تحكمها القانون، وليس النزعات القبلية العنترية والنزعات الدينية المتطرفة.

لا اخاف على فلسطين في ذكرى نكبتها ال60 من جدار الفصل العنصري،بقدر خوفي عليها من الجدران التي نبنيها حول انفسنا،الجدار يقع دائما في منطقة الما بين،فهو دائما بين مكان ومكان،بين شخص وشخص آخر،بين فكرة وفكرة اخرى،وهو في النهاية يفصل بينهم جميعاً.


جدران الفصل ظاهرة كولونيالية استعمارية لم تقام الا لخدمة افكار سياسية ضيقة ورجعية قمعية وشديدة النفعية واخشى ان هذه الجدران التي يبنيها المجتمع بينه وبين نفسه ليصبح منقسماً على نفسه مكفراً غيره من البرابرة،لا تخدم الا احزابنا السياسية التي لاتراعي الا مصالحها الحزبية الضيقة والعقيمة على حساب ارض كبيرة تتسع لكل ابنائها المؤمنون اسمها فلسطين.

عودة الى ادوارد سعيد وقصيدته المفضلة"في انتظار البرابرة" للشاعر اليوناني كفافيس،والتي يحكي فيها الشاعرعن الحاكم وحاشيته الذين يوهمون الناس ان هناك برابرة على الحدود يتربصون بالبلدة ليهجموا عليها ويغتصبوها مبقين سكان البلدة في فوبيا الخوف الدائمة المترقبة للبرابرة الوهميين.


ما الذى ننتظره فى السوق محتشدين ؟
إن البرابرة يصلون اليوم.
و فى مجلس الشيوخ ، لماذا هذا الإعراض عن العمل ؟
لماذا جلس الشيوخ لا يسنون التشريعات ؟
لأن البرابرة يصلون اليوم.
و ما الجدوى من أن يسن الشيوخ التشريعات ، ما دام البرابرة عندما يحضرون سيسنون هم التشريعات ؟
لماذا صحا إمبراطورنا مبكراً هذا الصباح ، و جلس عند البوابة الكبيرة فى المدينة على عرشة مرتدياً تاجه و زيه الرسمى ؟
لأن البرابرة يصلون اليوم.
و الإمبراطور فى الانتظار ليستقبل رئيسهم ،
بل و أعد الإمبراطور العدة كي يمنحه شهادة فخرية يضفي عليه فيها رتباً و ألقاباً .
لماذا خرج قناصلنا و الحكام اليوم فى مسوحهم الحمراء الموشاة ؟
لماذا لبسوا أساور ذات جواهر قرمزية و خواتم زمردية براقة ؟
لماذا يمسكون اليوم عصياً ثمينة مزينة بالذهب و الفضة ؟
لأن البرابرة يصلون اليوم . و مثل هذه الأشياء تبهر البرابرة .
لماذا لا يجيء الخطباء المفوهون مثل كل يوم ليلقوا خطبهم ،
و يقولوا ما ألفوا أن يتشدقوا به ؟
لأن البرابرة يصلون اليوم ،
و هم يملون الخطب و تضجرهم البلاغة .
لما يبدأ فجأة هذا الإنزعاج و هذا القلق ،
و يرتسم الجد على الوجوه ؟
لماذا تقفر الشوارع و الميادين بسرعة ،
و يعود الجميع إلى بيوتهم و قد استبد بهم التفكير ؟
لأن الليل قد أقبل و لم يحضر البرابرة ،
و وصل البعض من الحدود ،
و قالوا أنه ما عاد للبرلبرة وجود .
ماذا سنفعل الآن بلا برابرة ؟
لقد كان هؤلاء الناس حلاً من الحلول



الاغنية في السايد بار لفريق الروك الامريكي الرائع بينك فلويد،الاغنية من الالبوم الغنائي "الجدار" والذي روج بعد سقوط جدار برلين الفاصل بين المانيا الغربية والشرقية،الألبوم تحدث عن مختلف أنواع الجدران التي يبنيها الناس حول أنفسهم في العالم
لاترككم مع كلمات الاغنية معتذراً على الاطالة ومودعاً الى اللقاء في 15 مايو

Hey you, out there in the cold
Getting lonely, getting old
Can you feel me?
Hey you, standing in the aisles
With itchy feet and fading smiles
Can you feel me?
Hey you, dont help them to bury the light
Don't give in without a fight.

Hey you, out there on your own
Sitting naked by the phone
Would you touch me?
Hey you, with you ear against the wall
Waiting for someone to call out
Would you touch me?
Hey you, would you help me to carry the stone?
Open your heart, I'm coming home.

But it was only fantasy.
The wall was too high,
As you can see.
No matter how he tried,
He could not break free.
And the worms ate into his brain.

Hey you, standing in the road
always doing what you're told,
Can you help me?
Hey you, out there beyond the wall,
Breaking bottles in the hall,
Can you help me?
Hey you, don't tell me there's no hope at all
Together we stand, divided we fall.

1 comment:

عـــــــــــــــروبة said...

أومن انا كذلك بأن الجغرافيا التخيلية التكفيرية هي السرُّ في هذا التراجع المطرد،ربَّما كان ايماني بها وليد تجارب عدَّة ، ولم يكن بطبيعة الحال نتاج فهمي لهذه المفردة ، ربَّما لو طُلِبَ منا أن نصف كل هذه النزاعات والصراعات ، السياسية والجغرافية والأهم من ذلك كلِّه " الايديلوجية " لوصلنا في بداية الطريق الى هذا الاستنتاج ، فالمرء بات " وقد كان كذلك أيضاً " يعرض فكره لا ليطلع الجميع عليه ، ويطَّلعَ هو أيضاً على خاصة الآخرين ، بل على العكس ، نراه يعرضه ، لينشره ، وليجبر الجميع على تبنيه، كما قال " ادوارد سعيد " وكما قلتَ أنتَ ،فقط انطلاقاً من ايمانه بأرض البرابرة هذه ، مجرَّد كونه " آخر " لهو سبب قويٌّ جداً ليكون بربرياً كافراً ، وان اعترض هو على ذلك ، لن يغير اعتراضه شيئاً من معتقداتهم التي تجعلهم موقنين بأن الآخر هذا لا يحقُّ له أن يعترض وأن اعتراضه هذا ما هو الا نتاج بربريته المفرطة ،،

لو امتلكَ المتهم لساناً لصاح في منتصف الجلسة معترفاً بغباء محاميه ، وأن محاميه هذا ان اكتشف لحظة بأن هذا المتهم قد يكون اقترف جرماً ما فانه سيظل مكملاً ما بدأه .. لن يثنيه شيء، فعقله بات اسفنجة قابلة للأخذ والأخذ ولن تطرح شيئاً كالاسفنجات الباقية ، يظل منغلقا على ذاته حتى يعدم ذاته ..

أتعلم ، في صغري
كنت أجد تعريفاً بسيطاً وبديهياً للمسماة " ديمقراطية " أما الآن وفي هذه اللحظات ، باتت مزيجا من مفردات صُهِرَتْ بالديكتاتورية لتكون ، ،،أتذكر أيام انتخابات 2006 ، على الشعب أن يدفع ثمن خياره ؟،، لم يفسرْ الديمقراطيَّة بالوجه الصحيح لذا عليه أن يدفع ثمن ذلك غالياً .\\قالوا ذلك\\. وقد فعل ، وباتت أيضاً مفردة " الآخر " مفردة استعصى على الجميع فهمها ..


رائعٌ ما حللتَ ، سعيدة لأني قرأتها ، وسعيدة لأنك في الأرجاء ،،

تحياتي\\