وطن الرؤى السماوية


قلتُ قبلَ ذلّك

ما هو السر الغريزي الذي اودعه الله في الطيور المهاجرة حين تهجر اعشاشها طلباً للدفء عندما تغير البلاد احوالها وتأتي نُذر الشتاء؟ الانسان هو اتعس مخلوق ،فتلك الطيور التي تخشى خرطوش الانسان خوفاً من القنص المميت،اسعد منه، ذلك المخلوق البائس الذي يعجز عن مغادرة امكنته حين تغير البلاد احوالها،وتأتي نُذر الشتاء،يقبع في نفسه معدوماً وقلقاً في ليالي الشتاء الطويلة،بشعلة ترتجف في زمن تجمد وسط خيالات الظلام واشباح العتمة المرعبة وغفوة التعب التي يعجز عن اقتناصها،انه المنفى،نقيض الدفء والنوم،هل ادلكم على بيتي يا طيور الحذر،بيتي الابيض اعرفه جيداً وبه من الشقوق ما تكفي عشاقكم عششًا للتزاوج في موسم الزهور،اعرف شقوقه شقًا شقًا كخطوط يدي،بيتي الاليف عوضته بألف بيتٍ ولم ارتوي،عوضته بألف صدرٍ ولم اغفو،عوضته بألف حائطٍ ولم اتكيء،بيتي عوضته بألف ارضٍ ولم اذق هنيئة السكون،البيت يعي وجع الغريب،لذا فهو لا يموت اذا غاب سكانه،من قال ان البيوت تموت اذا غاب سكانها،كان يزورني بجدرانه البيضاء في حلمي في صيف عام 97 كل يوم،كان كما رأيته آخر مرة،خالي من الاثاث،عليه مسحة الفقد،كنت احلم اني امشي به الهوينى اتحسس جدرانه باكياً كما يتحسس العاشق كف محببوته،واني انام على سريري امد يدي الى حوائط غرفتي التي تعرت من صور الانتفاضة واطفال الحجارة،امد يدي في أنين

في السنة التالية مرض صديقي ناجي وكان علينا ان نقدم بحث التخرج قبل فوات الاوان،ولكن مرض ناجي اخرنا فكان علي ان اكمل البحث منفرداً،قال ناجي تعبٌ عليك،فلنغير موضوع البحث بموضوع ايسر واقصر،قال لي اذهب غداً للدكتور واعرض عليه ان يكون البحث في الافصاح،الافصاح عن القوائم المالية،ولكن الدكتور رفض قائلاً الافصاح هو بند متضمن في اي بحث ،بحثكم عن الاستثمار في الاوراق النقدية ولابد ان يكون للافصاح فصل كامل في بحثكم،فكان علي ان اكمل ما بدأت،وقد فعلت،ووضعت اسم ناجي قبل اسمي على بحث التخرج لمناقشته،قال لي ناجي مبتسماً ما هذا الاهداء الذي كتبته قلت له نكاية ووفاء،نكايةً في الدكتور الذي رفض ان يكون بحثنا عن الافصاح لذلك افصحت انا عن نفسي كما اريد،ووفائاً الى وطن التكوين بيتي،فقال:ان الاهداء يحتمل اكثر من معنى،قلت لا اقصد به الا معنى واحد...بيتي

كان ناجي يدخل المستشفى مرة كل سنة ويعود الى طبيعته بعد عشرة ايام من العلاج،وكنا قد اعتدنا على ذلك ولم يمنعنا مرضه من الاجتماع في غرفته بالمستشفى ولعب الشدة،وكنت كطبييه الخاص حيث اعطي له روشتة بعدد اللطوش التي يستطيع اكلها والشياب والبنات كي لا تسوء حالته،في يوم ما في مصيف بلطيم بمحافظة كفر الشيخ المصرية ،صدمته سيارة وهو طفل،فظل في جمجمته ثقباً عاش به بقية حياته،ثقباً بحجم رأس الدبوس ولكنه كان كفيلاً باعياء ناجي طيلة حياته
وفي عام 2002 دخل ناجي المستشفى،ولكن هذه المرة لم يعود كما اعتدنا

غادرها الى قبره

4 comments:

الحلونجي اسماعيل said...

تلك الطيور تبحث عن الدفء ... أما نحن فيكفينا طلقة لكي تدفء صدورنا وتكون الصرخة ويكون النصر

ابدعت هذه المرة بصدق ..أما صديقك ناجي فحسبه أن وجد ولو صديقاً واحداً مخلصاً ربما هو أنت..رحمه الله ...بالنسبة للمنفى والغربة ربما تبدو واضحة في كتاباتك
أذكر جيداً خاطرتك التي تحدثت فيها عن منفالك داخل الوطن ومنفاك في المنفى
, حينما كنت في مصر قالوا ( الشاب الفلسطيني) وفي فلسطين قالوا ( الشاب المصري)... ربما أيضاً لاحظتها على اثنين غيرك واحد عراقي والآخر مصري ... وهما في الواقع فلسطينيين ...وفي الواقع أيضاً لا وطن لرجلٍ بلا أمل .
عمت مساءً صديقي.

غائب من لائحة الحضور said...

رفيقى المنفى بالحرف والكلمة

لم يبقى لدفئ معنا الطيور كلها هاجرت غزة لم يبقى لها اى قمحة تاكلها كما طارت معها كل المفاهيم الصادقة .

لكن فى النهاية رفيقى يبقى معنى الانسان بالوطن العربى مجرد شكل يطلق علية انسان .

تحياتى

مدونة زيتونتنا said...

السلام عليكم يا مدوني فلسطين

نرجو منكم متابعة آخر اضافات مدونة زيتونتنا

http://zaytonatona.blogspot.com/2008/04/blog-post_29.html

ملتقانا-زيتونتنا

مدونة زيتونتنا said...

لسلام عليكم
تدعوكم مدونة زيتونتنا الى الاطلاع على المقال الجديد بعنوان "كيف اضاعف عدد زوار مدونتي؟".

ابحث غوغل "مدونة زيتونتنا"ا

مدونة زيتونتنا مدونة المدونين الفلسطينيين