قصة قصيرة



(1)

ليبيا في عام 1981

السادات مات
السادات اسم يوحي انه جمع مذكر،لذا فقد اعتقد ان السادات هم عبارة عن جيش صغير،جماعة مسلحة تابعة لاحد الجيوش،تختبيء بين احراش قمحية وقتلوا جميعا هناك،هكذا تخيلهم،وبعد عدة ايام قال والده
سنرحل الى مصر،بدأت اللجان الشعبية بمضايقتي
ليس لنا عيش في هذا البلد

(2)

مصر في عام1983

في مدرسة خاصة المظهر وحكومية الجوهر،حيث يكتظ التلاميذ بزي رمادي موحد
انت مصري؟

ايوه مصري،امال هكون ايه

ذلك الصمت الذي يغلفه الخجل،والحاح السؤال،كيف ذلك،مصري ويعيش في مصر؟؟
كان معتقدا من فرط برائته ان المصري لا يعيش في مصر وان السوداني لا يعيش في السودان،مثله تماما،فهو فلسطيني و لايعيش في فلسطين،فما الذي تغير؟
خط كلمة ركيكة على دفتره البسيط فزاغ قلمه الرصاص،واراد ان يمحو خطأه

اعطيني محاية
محاية يعني ايه؟
هادي الي في ايدك
دي اسمها استيكة
طب اعطيني استيكة
ماشي

(3)

مصر في عام 1991

ايه الدبوس الي على قميصك ده
دي خريطة فلسطين
انت فلسطيني
ايوه
الي يشوفك ميقولش عليك فلسطيني،وكمان بتتكلم مصري كويس
كان يضايقه هذا الامر،فهو باحث على الدوام عن التميز والمخايلة...
انا بتكلم معاكو كده عشان تفهموني،في البيت لا
وجبت منين الدبوس ده
ابن عمي جبهولي هدية من تونس..متباهيا.. اصلو شغال مع ابو عمار هناك
من يومها وحتى يومنا هذا
اطلق عليه فلان الفلسطيني

(4)

غزة في عام 1995

في احدى قاعات الجامعة الشبيهة بزنزانة فردية،حيث الكبت يثقل القلب بحب فتاة لا تعرفها،وبحب عشاق لم يفصحوا عن حبهم بعد

معاك استيكة
شو يعني استيكة؟

استرجع زمنا كالطيف،ابيض واسود،اللغة فاضحة،وكاشفة للسر الخفي، في حضور العثرات اللفظية التي تعيد نفسها،على هامش التاريخ،حيث الكلمة الخطاء في المكان الخطاء

اقصد محاية
محاية يعني استيكة بالمصري
ايوة
ومن يومها حتى يومنا هذا
اطلق عليه فلان المصري

(5)

غزة في يوم ما والان ايضا

قالت مهاجرة يهودية رومانية
في رومانيا كنت اسرائيلية،وفي اسرائيل اصبحت رومانية **

دفن وجهه بين راحتيه ونكسه
اين الوطن،واين المنفى؟
ما الوطن وما المنفى؟
ومتى يكونان وجهين لعملة واحدة
تماما كالفلسطيني والاسرائيلي
في احتراقهم السياسي،وفي مقارعتهم على دور الضحية،وشغفهم بالدم والتراب،وبأرض الميعاد،مع اختلاف المواعيد بينهم
وفي صراعهم المرير على ذات التاريخ والجغرافيا والخرافة
وفي ضياعهم وشعورهم الازلي بالفقد والشتات والحنين

ومتى تختفي المساحة الفاصلة بين الثنائيات المتضادة حتى التماهي
بين الابيض والاسود
بين الخير والشر
بين القبح والجمال
بين رومانيا وبين اسرائيل
بين مصر و فلسطين
بين الوطن وبين المنفى؟؟؟

تكاثرت الاسئلة،وتضخمت،وبدت الاجابة بعيدة المنال
فغرس لافتة وكتب عليها محطة،ثم انتظر القطار
ولا يزال حتى هذه اللحظة منتظرا
ولم يعرف احدا من السكان المجاورين قطارا مر على هذه المحطة

ومن يومها حتى يومنا هذا
اطلق عليه فلان المنفي

_____________________
** الزمن الاصفر- دافيد غروسمان

11 comments:

watan said...

والمنفى قدرنا الدائم الذي يتربص بنا عند كل مفرق ... هكذا اذا ولد المنفي في دوامة لامتناهية من السؤال والانتظار .. متى يكون الوطن وطنا أو منفى ؟؟

وهل غربة في الخارج على امل الرجوع يوما اهون من غربة بداخل الوطن ؟؟


القصة مؤثرة قوية جدا وحبكتها ناضجة تماما ...

ملاحظة:
لم أفهم ما الذي دفعك لوضع هذه العبارات داخل القصة .. لا ادري احس بأنها نقطة الضعف بالقصة أو اني لم افهم فلم أستسغها
"
قالت مهاجرة يهودية رومانية
في رومانيا كنت اسرائيلية،وفي اسرائيل اصبحت رومانية


تماما كالفلسطيني والاسرائيلي
في احتراقهم السياسي،وفي مقارعتهم على دور الضحية،وشغفهم بالدم والتراب،وبأرض الميعاد،مع اختلاف المواعيد بينهم
وفي صراعهم المرير على ذات التاريخ والجغرافيا والخرافة
وفي ضياعهم وشعورهم الازلي بالفقد والشتات والحنين
"

ومع ذلك القصة رائعة وقوية ..:)

واحد فاضي said...

قصة رائعة جدا انتزعت مني ابتسامة حزيتة



ماهو الوطن وما هو المنفى ؟


أعتقد أنني أعرف المنفى رغم أني لم أنفى قبلا


أما الوطن وعلى الرغم من أنني أعيش فيه فلم أفهم معناه حتى الآن

عـــــــــــــــروبة said...

في الغربة ، نستشعر الوطن
وفي الوطن نستشعر قساوة الغربة .
ربما قد تلصق علينا هذه المسميات فتبيت قدرنا ولربما نحن قدرها ..

ايها المنفي ،،

ذكّرتني بقصيدة " في القدس " لتميم البرغوثيّ" عارفة يمكن ما الها علاقة .. بس هاليومين كل ما اقرا شي بتذكر هالقصيدة .."

!!!!!!!!!!

تحيّاتي لك\\

alzaher said...

ألم تلاحظ ان الفلسطينيين في مصر وفي مصر فقط لا يجدون غضاضة في التحدث بلهجة اهل البلد حتى يظنهم البعض مصريين أقحاح؟
هذا راجع في رأيي إلى قدرة مصر على إستيعاب أي وافد وصهره داخلها
إضافة إلى أن المصريين إستطاعوا دائما إستيعاب الفلسطينيين ولم يحبسوهم في أكشاك صفيح سماها البعض مخيمات
بالنسبة لي مررت بنفس ما مررت به
واحل اليوم القضية بجملة واحدة
"انا عربي من مصر"
:)

المنفي said...

ابتدائا من اخر تعليق لصديقي الزاهر
وتنويها له في قضية بالغة الاهمية وبالغة البداهة

مصر لم يكن بها مخيمات لجوء لانه لم تكن هناك حركة لجوء كبيرة وباعداد ضخمة بعد هزيمة 48 وهزيمة 67

وذلك لاسباب جغرافية بحتة حيث كان اللجوء الاكبر لجوء داخلي اولا ثم الى الاردن ولبنان وسوريا
يعني لو كان في لاجئين كتير في مصر كانو اكيد عاشو في مخيمات لجوء حالهم كسائر الدول العربية
وهذا ليس انقاصا في قيمة مصر ولكن احقاقا للحق
وللعلم كان هناك مخيم لاجئين للفلسطينيين في مصر،في مدينة رفح المصرية بالتحديد،واسمه مخيم كندا ولقد رأيته عن كثب وكان لي معارف هناك ولكنه لا يقارن اطلاقا ببقية مخيمات اللجوء من حيث عدد السكان،ولقد وجد هذا المخيم فقط بعد ترسيم الحدود بين مصر واسرائيل بعد اتفاقية كامب ديفيد حيث شطر المخيم نصفين بين الرفحين،والان انتهى المخيم حيث رجع كل اهله الى غزة بعد اتفاقية اوسلو

وبالنسبة لمصر اتفق معك كليا انها كوطن وكشعب لها قدرة عجيبة على استيعاب كل البشر بكل اللغات،ولم نشعر ابدا في يوم ما اننا غرباء في مصر،و هذا على الصعيد الشعبي

اما على الصعيد الرسمي والحكومي فنظام السادات ومبارك نظامان قمعيان للفلسطينيين بإمتياز وكانو يشعروننا بالفعل اننا غرباء
فالسادات ومن بعده مبارك الغى التعليم المجاني للفلسطينيين في مصر،،على العكس من عبد الناصر،لذلك قالت لي يوما ما مدرستي انكم انتم الفلسطينيون ناصريون،ولم افهم كثيرا ما قصدها
وحين سئلت ابي قال لي ولما لا نكون كذلك،فانا والمتحدث ابي،تعلمت في جامعة الازهر مجانا وكان لي راتب شهري من الحكومة وكنت اعامل كالمصري تماما

لقد اطلت ،ولكني حساس جدا امام كلمات
مخيم،لاجيء
وذلك لاني لاجيء وجذوري نبتتت في مخيم

******************************

الاخت وطن ودائما وطن

حينما نوهت واقتبست تلك الكلمات على لسان الرومانية الاسرائيلية لم اكن اقصد الا المعنى الحرفي للكلام
حيث التشابه في حالتها وشعورها مع بطل القصة

وبعيداااا عن اي معنى او قصد للتطبيع او لتلطيف صورة الاسرائيلي ومقاربته للفلسطيني كضحية
ولكن التشابه المحدود احيانا والصارخ احيانا اخرى
فالشتات هم يهودي قديما وهم فلسطيني الان وغدا وبعد غد
وحقك علينا

******************

واحد فاضي

الله لا يوريك المنفى ما اصعبو،حابب تعرفو
ما قدر حدا يوصفو متل ما وصفو الروائي المرحوم عبد الله منيف

المنفى هو المكان البارد الموحش الذي يشعرك دائما انك غريب،زائدا وغير مرغوب فيه،المكان الذي تفترضه مؤقتا او محطة،فيصبح لاصقا بك كالعلامة الفارقة،وربما لانه مؤقت يصبح وحده الابدي،كالقبر،لايمكن الهروب منه او مغادرته
مدن الملح 4-المنبت

*************************
الجميلة الصغيرة عروبة

جدلية الوطن والمنفى جدلية قديمة
ولكن مع الفلسطيني هي حديث ذو شجون،فكيف ممكن ان نستوعب فلسطين الجميلة منفى،فنحن لم نعرفها ولا نعرفها الا كوطن
يا عروبة

صوت من مصر said...

مش عارف اقولك ايه بس انت حاسس انك مصرى تبقى فلسطينى لو حاسس انك فلسطينى تبقى مصرى لكن لا علاقه للاختلاف بين محايه واستيكه الاختلاف مش فى الكلام ولا اللهجه ولا حتى اللون يهمنى الانسان ولو ملوش عنوان ؟

ضاوي جداً said...

عزيزي المنفي
المنفى ان تكون غريباً في وطن لا يستحقك
ورد لك ولنصك الجميل جداً
..

عـلا - من غـزة said...


مممم
ذكرتني بمواقف شبيهة صارت معايا
ما بين محاكاة اللهجة المصرية في مصر ومحاولات ازالتها في غزة :)

تساؤلات الوطن والمنفى لابد وان تثير الشجن والاطياف القادمة من الماضي لدى اي قارئ فلسطيني

دائما نتسائل ولا نجد اجابة !! ففي بعض الاحيان قد تشعر منفيا في وطنك .. او في قلب بيتك وانت في عز الغربة !

تحياتي الخالصة :)

الحلونجي اسماعيل said...

ربما هي القصة القصيرة جداً ( سكتش) وربما أضع لها عنواناً غير المنفي ... مثلاً شهادة عن أحوال زماننا

نقد بسيط

(ومتى يكونان وجهين لعملة واحدة)
متأكد إنو الجملة هاي صح

ولا أيه يا مان

***
أعتذر لتطفلي على الأخت وطن
بس ما في حبكة ناضجة بالقصة
ولكنها محاولة جديرة بالاحترام

وأخيراً أقتبس مقولة لكازانتزاكي

" ما عاد الغرض من الكتابة تسلية العقول بالقصص الخرافية أو مساعدة هذه العقول على النسيان , بل الغرض منها تحقيق حالة من التوحد بين كل القوى الوضاءة القادرة على الحياة , وتحريض الانسان على بذل قصارى جهده لتجاوز الوحش الكامن في أعماقه " .ه

ومن هنا اكتسبت محاولتك أيها المنفي كل الاحترام
تحياتي

المنفي said...

مرة اخرى

شكرا على عبوركم اصدقائي
صوت من مصر
ضاوي
علا
*********
الحلونجي الناقد

بما انو الانترنت هو عالم افتراضي،فقد تم افتراض ان هذه الاسكتشات هي قصة قصيرة،جدا
وذلك لان الافتراض يعطيك هامش كبير بحرية التعبير والوصف بعيدا عن قوالب النصوص محدة القواعد كالقصيدة والقصة والرواية التي تطلب الحبكة والتكامل العضوي،وانا لم ابحث عن اي حبكة في القصة،على افتراض كونها قصة،فالبطل هامشي للغاية

لم اتعمد اثارة الجدل و في نفس الوقت لم ارغب في مغازلة القاريء على حساب ما اريد ان اقول
نعم وجهان لعملة واحدة
وهذه ليست معادلة رياضية تحتمل الصواب او الخطأ،انما هي فكرة
و كما قلت لوطن بعيدا عن فخ التطبيع الذي ادمن عليه مثقفينا

وشكراااا على الاطراء يا حلونجي

ريحانة مصر نهر الحب said...

شكلنا كلنا غرباء نبحث عن وطن