انتقل بث نوستالجيا من قطاع غزة الى مدينة الشارقة. لازلت في طور النقاهة من رحلة السفر المضنية والمتفردة بعذاباتها لغزواي منبوذ بالاضافة الى التعب الناشيء عن تغير الجو والساعة البيولوجية في صحراء تفلق عنها شواهق الاسمنت والحديد اذا اراد الغزي ان يعبر مصر دون ذل الترحيل عليه ان يلقى الوسيلة لرشوة الظابط المصري قبل المغادرة وذلك شيء لم يتسنى لي فكنا كالايتام في معبر رفح نتحمل عبء الفظاظة والعنجهية وقلة الادب في سبيل المغادرة وكان الناس المنبطحين على ارض المعبر القذرة لا ينفكوا من الصلاة والدعاء وترتيل كل ما يعرفوا من ادعية واذكار كي تتحق حاجتهم في السفر،ولكني لم افوت على نفسي هذا الشرف العظيم بدفع الرشوة الى الظابط المصري في المطار والى موظف مدني اخر كي يتسنى لي تقديم حجز تذكرة السفر لاغادر على رحلة الليلة دون عناء وذل المبيت في غرفة الترحيل الوضيعة،انه حديث طويل وذو شجون.
قبل ان اشرع في تقرير مصيري اريد ان اعطي نفسي فسحة للراحة والتجول كسائح غشيم كقروي ساذج قادم من اقاصي الارض وخارج من ثقب صغير في العالم اسمه غزة
قلت من لا يملك مبرر قاهر للسفر خارج غزة عليه الا يفعل،فالرحلة اقسى من ما يتخيلها احد (بالرغم ان الجانب المصري ابدى تساهلا كبيرا هذه المرة) هذا علي انا الشاب فكيف كان الحال على النساء والاطفال،عمري لم افكر بالشحتة على شعب غزة المسكين لكن هذه المرة افعل اننا والله سبة في جبين العالم المتأنق كعروس عاهرة بحقوق الانسان.
رأيت القاهرة وهممت ان اقفز من اتوبيس الترحيل الذي اقلنا من معبر رفح الى مطار القاهرة في رحلة تتماهى في عذاباتها مع مآسي شكسبير واسخيليوس،ولكن عواقب هذه الفعلة الحمقاء قد تودي بي الى ابو زعبل لاجل لا يعلمه الا الله،ولم يكن يعلم احد من اصدقائي المصريين ان صديقهم الان معتقل داخل اتوبيس على ارض القاهرة انتظارا لرميه خارج مصر اينما يشاء.
لماذا تركت غزة؟ لاسباب كثيرة قد يعلمها البعض وحتى هذه اللحظة لست ادري هل الشارقة الان محطة الى مهجر جديد ام انها مستقر دائم ام انني ساعود ادراجي بخفي حنين الى غزة،انها مشيئة النمل
في نهاية العام 1993 شاهدت امي سربا طويلا من النمل مغادراً مطبخنا القاهري،فقالت امي سنرحل،وهي ضليعة في فك الرموز والاشارات،فرحت انا الغر الصغير وهي لم تفرح بهذه النبوءة وقد صدقت وغادرنا مصر في العام التالي الى قطاع غزة المحطة الثالثة في حياتي وقد درجت عادتي الا ارجع الى محطة اتركها.
يتبع....
طريق النمل
Subscribe to:
Posts (Atom)
